فصل: مسألة رجل دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه له فأراد الخياط أن يستخيطه غيره فمنعه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الغسال يكثر عليه المتاع فيستأجر الأجراء فيزعمون أنه ضاع:

وسئل عن الغسال يكثر عليه المتاع، فيستأجر الأجراء يبعثهم إلى البحر بالثياب، فيزعمون أنه ضاع منهم بعض ذلك، قال: يضمنون، قيل له: أيضمن الأجراء؟ قال: نعم لأنهم أجراء في صناعة، فكل أحد في صناعته فهو ضامن، قيل له: وكذلك الخياط يستأجر الأجراء عنده، فيدفع إليهم بعض الأمتعة ينقلبون بها يعملون بها، فيدعون أنها ضاعت، قال: نعم، الصناع والخياط واحد.
قال محمد بن رشد: في المدونة قول ابن القاسم: إنه لا ضمان على أجير القصار فيما أتى على يديه مما استأجره القصار عليه إلا أن يكون ضيع أو فرط أو تعدى، وضمان ذلك على القصار لرب الثوب، وليس ذلك بخلاف لقوله في هذه الرواية؛ لأن المعنى في قوله في المدونة: إنه لا ضمان على أجيره فيما أتى على يديه مما عنده في حانوته أو في داره، والمعنى في هذه الرواية أنه يضمن ما قاطعه عليه من الثياب، فانقلب بها لعملها وغاب عليها، فادعى تلفها أو أفسدها؛ لأنهم أجراء في الصناعة، فإذا نصبوا أنفسهم للعمل فهم كالصناع في الحكم، فسواء أخذوا العمل من التجار أو أخذوه من صناع مثلهم هم في ضمان الصناع كمن استأجرهم من الصناع، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه له فأراد الخياط أن يستخيطه غيره فمنعه:

ومن كتاب القضاء المحض:
وسئل ابن القاسم عن رجل دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه له فأراد الخياط أن يستخيطه غيره فمنعه، قال: إن لم يكن شرط عليه أنه يخيطه بيده، فله أن يستخيطه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول فيها محصلا مستوفى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة فلا معنى لإعادته.

.مسألة المعلم هل يذهب إلى قريته لإصلاح ضيعته فيقيم عن صبيانه اليومين والثلاثة:

ومن كتاب الجامع:
وسئل عن المعلم: هل يذهب إلى قريته لإصلاح ضيعته، فيقيم عن صبيانه اليومين والثلاثة ونحو ذلك، قال: نعم، يفعل ذلك إن شاء، وقد يفعل ذلك القاضي وهو أجير المسلمين، وقاله أصبغ، وقد يستراح بمثل ذلك المرة بعد المرة في القرية.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال: إن الأمر في ذلك واسع؛ لأنه المعروف من الفعل الذي جرى عليه الناس، فالتضييق فيه والتحرج منه من الغلو في الدين والحرج الذي رفعه الله عن عباده المسلمين؛ لقوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ومن نوازل أصبغ بن الفرج قال أصبغ في الذي يعطى اللؤلؤة ليثقبها فتخرم فإذا انخرمت في موضع الثقب، فلا شيء عليه، وكذلك لو أعطيها يعملها على أجرة أو على غير أجرة إذا تعدى الثقب الفساد، وإذا كان في الثقب لم يكن عليه شيء، وقد قال أصبغ في مسألة الثقاب: الذين يثقبون اللؤلؤ والصياقلة، وجميع الصناع إذا أتى على أيديهم تلف من كسر لؤلؤة أو انقطاع السيف أو انكسر بعض الحجارة الجوهرة مما يجلى أو يثقب، فإنه ما أتى من ذلك على أيدي الصناع في عملهم، فلا شيء عليهم، وإن قال أهل البصارة: إنه أخذها من غير مأخذها وغر من نفسه وظهر فيها أنه لم يأخذها من مأخذها فهو ضامن؛ لأنه ينزل منزلة المتعدي، وإذا أخذها من مأخذها، ولا يغر من نفسه لم يكن عليه ضمان، وقبل قوله بلا بينة لأن شاهده فيه حاضر ظاهر، ورب اللؤلؤة مدع عليه التعدي؛ إذ لا يظهر فيها من صنعته إلا ما كان يجوز له أن يعمله، وهو له مقام شاهد؛ لأنه قد أذن له في العمل، وجعل ذلك إليه ومكّنه، وهو مدع عليه فيما يريد من الضمان، وكذلك كل صاحب صنعة على هذا الشرح.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه إن كان فيه تغرير من الأعمال مثل ثقب اللؤلؤة ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز للفران والثوب في قدر القصار، وما أشبه ذلك فإنه لا ضمان عليهم في شيء منه إلا أن يفرط أو يتعدى أو يأخذه من غير مأخذه بعمد أو جهل أو خطأ، وكذلك البيطار يطرح الدابة، فتموت من ذلك، والخاتن يختن الصبي فيموت من ختانته، والطبيب يسقي المريض فيموت من سقيه، والحجام يقلع ضرس الرجل فيموت من ذلك لا ضمان على واحد من هؤلاء في ماله، ولا على عاقلته؛ لأنه مما فيه التغرير، فكأن صاحبه قد عرضه لما أصابه، وهذا إذا لم يخطئ في فعله، وأما إذا أخطأ مثل أن يسقي المريضَ الطبيبُ مما لا يوافق مرضه أو تزل يد الخاتن والقاطع، فيتجاوز في القطع أو الكاوي فيتجاوز في الكي أو يد الحاجم، فيقلع غير الضرس التي أمر بها فهي جناية خطأ تكون على العاقلة إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون ذلك في ماله، وذلك إن كان من أهل المعرفة، ولم يغر من نفسه، وأما إن غر من نفسه فعليه العقوبة من الإمام، واختلف في الدية، فقيل: إنها تكون عليه في ماله ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء، وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم وأشهب من كتاب السلطان، وقيل: إنه يكون على العاقلة من ذلك الثلث فصاعدا، وهو قول عيسى بن دينار ورواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الديات محمولة على ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة صباغ دفع عليه رجلان ثوبين ليعملهما وأحدهما أجود من الآخر فغلط الصباغ:

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل سحنون عن صباغ: دفع عليه رجلان ثوبين ليعملهما، وأحدهما أجود من الآخر، فغلط الصباغ، فأعطى صاحب الردي جيدا، وأعطى صاحب الجيد رديا فلم يعلما ذلك حتى لبس كل واحد منهما ثوب صاحبه، فقال: يأخذ كل واحد منهما ثوبه، ثم ينظر ما نقص كل واحد منهما اللبس، فيكون قصاصا بينهما، فإن كان أحدهما قد نقصه اللبس أكثر رجع بالأكثر على العامل، وتفسير ذلك أن يقال: كم نقص اللباس للثوب الذي لبس هذا؟ فإن قيل: نقصه اللبس عشرة دراهم، قيل: فكم نقص هذا الثوب الآخر اللبس؟ فإن قيل: خمسة دراهم، قيل للذي نقص ثوبه عشرة: قد لبست أنت من ثوبه ما نقصه خمسة دراهم، فقد صارت تلك الخمسة قصاصا بخمسة من عشرتك، وبقيت لك تمام عشرة ارجع بها على الصباغ الذي جنى عليك وأخطأ وأعطاك ثوب غيرك.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا خلاف قول ابن القاسم في أول سماع عيسى؛ لأنه قال: إنهما يتقاصان بما نقص لبس ثوب كل واحد منهما الثوب الذي لبسه، ولم يقل: إنها يتقاصان بما كان ينقص لبس كل واحد منهما ثوبه لو لبسه هذا اللبس كما قال في رواية عيسى، وقوله: إنه يرجع بتمام العشرة على الغسال الذي أخطأ وأعطاه ثوب غيره، معناه: إن اختار الرجوع عليه، فإن رجع عليه رجع الغسال على الاثنين اللابسين، وإن رجع على اللابس لم يكن للابس الرجوع على الغسال ولا على أحد، وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى هناك، فلا معنى لإعادته ولا حول ولا قوة إلا بالله.

.كتاب النكاح الأول:

.مسألة نكاح السكران:

كتاب النكاح الأول من سماع عبد الرحمن بن القاسم عن مالك من كتاب قطع الشجرة رواية سحنون قال ابن القاسم: سئل مالك عن نكاح السكران، قال: لا أراه جائزا، وطلاقه جائز عليه، ومن كتاب القضاء من سماع أشهب وابن نافع من مالك، قال سحنون: أخبرني ابن نافع وأشهب قالا: سئل مالك عن بيع السكران فقال: لا والله، ما أراه يجوز إن استوفى وكيف يعلم ذلك، وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحا، وإن خسر قال: كنت سكران، قلت له: وترى نكاحه مثل ذلك؟ قال: ومن يعلم أنه سكران؟ إذن يقتل هذا ويقع في الحدود، ويسرق متاع هذا، ويقول: إني سكران، لا أدري ما هذا، قال سحنون: قال لي ابن نافع: أرى أن يجاز عليه كل ما فعل من البيع وغيره.
وسئل سحنون عنها فقال: أرى نكاحه وبيعه وهباته وصدقاته وأعطياته بمنزلة واحدة سواء، لا يجوز منها شيء على حال من الحال، وإنكاحه بناته بمنزلة إنكاحه نفسه، لا يجوز ذلك، وعلى ذلك أكثر الرواة، قال: وإنما يجوز من أموره الحدود التي تجب في بدنه وطلاقه وعتقه، وما عدا هذا فليس بجائز عليه، وكذلك كتابته وتدبيره مثل عتقه جائز عليه، قال: وإقراره بالدين لا يجوز، وهو عندي مثل هبته، قال: وإذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا القوم، فإن ذلك لا يجوز أيضا على حال، قال: وإذا أبت عتق عبيده في مرضه جاز ذلك عليه؛ لأنه لو صح مضى ذلك عليه وهو بحال عتقه في صحته، فكل ما أعتق السكران فما له فيه الرجوع مثل الوصية، فلا يجوز، وكل ما أعتق مما ليس له فيه الرجوع فذلك جائز عليه، قال: وهو الذي آخذ به والله أعلم، رجع سحنون بالعتبي في وصية السكران وقال: أرى وصيته جائزة، ما أوصى فيها من عتق أو وصايا لقوم أو غيره، لا يكون أسوأ حالا عندي من الصبي والسفيه، وذلك أن وصيتهما جائزة. فالسكران عندي أولى أن تجوز وصيته.
قال محمد بن رشد: السكران ينقسم على قسمين: سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، وسكران مختلط، معه بقية من عقله، إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه، فيخطئ ويصيب، فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الناس وفيما بينه وبين الله، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه لما أدخل السكر على نفسه فكأنه قد تعمد تركها حتى خرج وقتها، وأما السكران المختلط الذي معه بقية من عقله، فاختلف أهل العلم في أقواله وأفعاله على أربعة أقوال: أحدها أنه في حكم المجنون الذي القلم عنه في الشرع مرفوع، فلا يحد في زنى ولا سرقة ولا قذف، ولا يقتص منه في قتل، ولا يلزمه عتق ولا طلاق ولا بيع ولا شراء ولا شيء من الأشياء، وهو قول أبي يوسف، وإياه اختار الطحاوي، واحتج له بما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: ليس للمجنون ولا للسكران طلاق، وهو قول محمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك، أن طلاق السكران لا يجوز، والثاني أنه في حكم الصحيح الذي ليس بسكران يلزمه ما يلزمه، لأن معه بقيه من عقله يدخل به في جملة المكلفين بدليل توجه الخطاب إليه في قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] وفيما روي أن منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينادي إذا أقيمت الصلاة: «لا يقربن الصلاة سكران»، وهو قول ابن نافع في الكتاب: أرى أن يجاز عليه كل ما فعله من البيع وغيره، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
وقيل: إنما يلزمه ما يلزم الصحيح من أجل أنه هو أدخل السكر على نفسه، وليس بتعليل صحيح، وقيل: إنما يلزمه ما يلزم الصحيح؛ لأنه غير مستحق لاسم السكر؛ لأن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، قال ذلك أبو حنيفة، وهو بعيد لأن اسم السكر واقع عليه بدليل ما ذكرناه من القرآن والسنة.
والثالث أنه يلزمه الأفعال ولا تلزمه الأقوال، فيقتل بمن قتل ويحد في الزنى والسرقة، ولا يحد في القذف، ولا يلزمه طلاق ولا عتق، وهو قول الليث بن سعد، والرابع أنه تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود، ولا يلزمه الإقرارات والعقود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه، وأظهر الأقوال وأولاها بالصواب؛ لأن ما لا يتعلق به لله حق من الإقرارات والعقود إذا لم يلزم الصبي والسفيه لنقصان عقولهما فأحرى أن لا يلزم ذلك السكران لنقصان عقله بالسكر، وما سوى ذلك مما يتعلق لله به حق، يلزمه ولا يسقط عنه قياسا على ما أجمعوا عليه من أن العبادات التي هي حق الله من الصوم والصلاة وأشباههما تلزمه ولا تسقط عنه بالسكر، وقول مالك في أول المسألة في نكاح السكران: لا أراه جائزا، ليس معناه أنه عقد فاسد غير جائز، وإنما معناه: لا أراه جائزا عليه ولا لازما له، إن أراد الرجوع فيه وادعى أنه لم يعرف قدر ما عقده من ذلك على نفسه من أجل سكره، وذلك إذا أقر له بما ادعاه من ذلك منازعه وخصمه، وأما إن كان أنكره فلا يصدق ويلزمه النكاح إلا أن تكون له بينة أنه كان سكران لا يعقل.
واختلف إن قالت البينة: إنها رأت منه اختلاطا، ولم تبت الشهادة بسكره على قولين: أحدهما- وهو المشهور- أنه يحلف ولا يلزمه النكاح، روى ذلك زياد عن مالك وقاله مالك في المبسوط أيضا، ومثله المريض يطلق ثم يدعي أنه لم يكن يعقل، على ما في سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة ومن كتاب الأيمان بالطلاق، والقول الثاني أنة لا يصدق ولا يمكن من اليمين، ويلزمه النكاح، وهو دليل قوله في رواية أشهب عنه: وكيف يعلم ذلك؟ وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحا، وإن خسر قال: كنت سكران، إلى آخر قوله.
وقول سحنون: إنه لا يجوز نكاحه ولا بيعه ولا هبته ولا صدقته ولا عطيته ولا إقراره بالدين، معناه أنه لا يلزمه شيء من ذلك، وله أن يرجع عنه إذا أفاق، على ما بيناه من مذهب مالك، وذكرنا وجهه.
وقوله: إن الكتابة والتدبير كالعتق والحدود في جواز ذلك عليه ولزومه، صحيح على مذهب مالك، وأما وصيته بالعتق وغيره، فالصحيح على مذهب مالك أنها جائزة على القول الذي رجع إليه سحنون؛ لأن حكم وصيته حكم ما عقده على نفسه من البيع وغيره، ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب مالك: إنه غير منعقد عليه، وإنما يقال فيه على مذهبه: إنه غير لازم له، لو أراد الرجوع فيه إذا أفاق من سكره، فإذا لم يرجع في وصيته حتى مات وجب أن تنفذ كما تنفذ وصية الصحيح من السكر، فقول سحنون الأول: إن وصية السكران لا تجوز، غلط وُفِّق في سرعة الرجوع عنه وترك التمادي عليه، وكذلك تفرقته فيه بين ما بتل في مرضه من العتق وغيره إن مات من مرضه، غلط أيضا، والصحيح على مذهب مالك أنه إن مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية، وإن صح من مرضه ذلك نفذ عليه العتق ولزمه وكان له الرجوع فيما بتله من الهبة والصدقة من أجل السكر، والله أعلم.

.مسألة إنكاح الأب ابنته دون استئمار:

قال مالك: من عبرة إنكاح البكر ولا تستأمر ما في القرآن: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27] لم يذكر في هذا استئمارا.
قال محمد بن رشد: قوله: من عبرة إنكاح البكر ولا تستأمر، يريد: من عبرة إنكاح الأب ابنته دون استئمار؛ لأن غير الأب لا يزوج البكر حتى يستأمرها لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» واحتجاج مالك لمذهبه في هذه المسألة بهذه الآية يدل على أن شريعة من قبلنا لازمة لنا عنده، إذا لم يكن في شرعنا ما ينسخها عنا، ويدل على ذلك من مذهبه أيضا احتجاجه في موطئه بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وإنما هو خطاب لليهود في شرعهم، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90].
وقال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، فإن الله عز وجل يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]» والخطاب بذلك إنما هو لموسى في التوراة.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنها غير لازمة لنا بدليل قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ومنهم من ذهب إلى أنه لا يلزمنا منها إلا شريعة إبراهيم خاصة؛ لقوله عز وجل: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123] وقوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] أي الزموها، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يلزمنا منها إلا شريعة عيسى لأنها ناسخة لما تقدم من الشرائع، ومنهم من ذهب إلى أنه يلزمنا من شريعة موسى ما لم يكن في شريعة عيسى ما ينسخه، ومما يعتبر به في جواز إنكاح الأب ابنته البكر دون مؤامرتها مما توجه الخطاب فيه إلينا دون من قبلنا، قول الله عز وجل:
{وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]، الآية؛ لأنه أمر بإنكاح الأيامى من الأحرار والعبيد، ولم يذكر في ذلك استئمارا، ولا خص أبا من غيره، فوجب بظاهر هذه الآية أن لا يستأمر الأب ولا غيره من الأولياء الأيامى من الأحرار ومن اللواتي لا أزواج لهن، كما لا يستأمر السيد عبده ولا أمته في النكاح؛ إذ جاءت الآية في ذلك كله مجيئا واحدا، فخصصت السنة من ذلك من عدا الأب من الأولياء في الأيامى الأحرار بقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» وخصص الإجماع من ذلك الأب في ابنته الثيب، وبقي الأب في ابنته البكر على عموم الآية يزوجها دون استئمار، كما يزوج السيد عبده وأمته دون إذنهما.
ومن الحجة لمالك أن أهل العلم قد أجمعوا على أنه يزوج ابنته البكر قبل بلوغها دون استئمار، فمن ادعى أن عليه أن يستأمرها إذا بلغت وجب عليه الدليل، وهذا استدلال باستصحاب حال الإجماع، وهو دليل صحيح عندهم، وبالله التوفيق.

.مسألة لا ينبغي لرجل علم من وليته فاحشة أن يخبر بذلك من خطبها:

قال مالك: لا ينبغي لرجل علم من وليته فاحشة أن يخبر بذلك إذا خُطبت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن من تزوج امرأة فاطلع على أنها قد كانت زنت، لم يكن له أن يردها بذلك، فإذا لم يكن ذلك عيب فيها يجب به للزوج ردها، لم يكن على وليها أن يعلمه به، بل واجب عليه أن يستره عليها؛ لأن الفواحش يجب على الرجل أن يسترها على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أصاب من هذه القاذورة شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» وقال لهزال: «يا هذا لو سترته بردائك لكان خيرا لك» وفي الموطأ أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه، أو كاد يضربه، ثم قال مالك: وللخبر. وكذلك لا يجوز له ولا ينبغي له أن يخبر من عيوب وليته بشيء مما لا يجب ردها به من العور والعمى والسواد وشبه ذلك، قال ذلك مالك في كتاب ابن المواز، والنكاح في هذا عندهم بخلاف البيوع، لا يجوز للبائع أن يكتم من سلعته شيئا لو ذكره لكرهه المشتري، وكل ما نقص من ثمنها فهو عيب فيها، والفرق بين النكاح والبيع أن البيع طريقه المكايسة، والنكاح طريقه المكارمة، وليس الصداق فيه ثمنا للمرأة ولا عوضا عن شيء يملكه الولي، وإنما هو نِحْلة من الله فرضه للزوجات على أزواجهن، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأته إن نكحت عليك أو تسررت عليك إلا بإذنك فأمرك بيدك:

قال ابن القاسم: قال مالك: من قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسررت عليك إلا بإذنك، فأمرك بيدك، فأذنت له في جارية أو امرأة، فطلق تلك المرأة أو باع تلك الجارية، ثم بدا له أن يرجع فيتزوجها أو يتسرر، أن ذلك إلى امرأته إن شاءت أذنت له، وإلا فلا، وإن أذنت له فنكح أو تسرر فندمت، فأرادت أن تغير ذلك، فليس ذلك لها بعد إذنها، حتى يفارق أو يبيع، فيرجع الأمر إليها.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية: إنه إن بدا له بعد أن يطلق تلك المرأة ويبيع تلك الجارية أن يرجع، فيتزوجها أو يتسرر، أن ذلك إلى امرأته، إن شاءت أذنت له وإلا فلا. ولم يوجب عليها أن تحلف إنها إنما أذنت له في تلك الجارية بعينها، وفي نكاح تلك المرأة بعينها، ولم تكن أرادت بذلك ترك ما كان بيدها من الشرط فيهما وفي غيرهما، وذلك خلاف ما في رسم باع شاة من سماع عيسى بعد هذا، والاختلاف في هذا جارٍ على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، ولو حقق الدعوى عليه في أنها أسقطت عنه ما كان بيدها من الشرط فيهما وفي غيرهما للزمتها اليمين قولا واحدا، وقال فيها: إنها إن أذنت له فنكح أو تسرر فندمت وأرادت أن تغير، فليس ذلك لها بعد إذنها حتى يفارق أو يبيع، فيرجع الأمر إليها، فساوى بين المرأة والجارية في أنه ليس لها أن تمنعه من التمادي على وطئها حتى يبيع الجارية أو يطلق المرأة، وفرق بينهما ابن حبيب فقال: إن لها أن ترجع عن الإذن والرضى في الجارية متى ما شاءت؛ لأن التسرر أمر مؤتنف، قال: وقد كان القياس أن لا يطأ إلا بإذن مؤتنف عند كل وطأة، ولكن الاستحسان أن يجزيه إذن واحد حتى تحدث منعا؛ لأنها على الإذن ما سكتت، وحكى الفضل عن ابن القاسم مثل ذلك أيضا.
وأما إن أرادت لما أذنت له فتزوج أو تسرر أن ترجع فتأخذ بشرطها وتقضي في نفسها، لم يكن ذلك لها باتفاق في هذه المسألة؛ لقوله فيها: إلا بإذنك؛ لأنه إن استثنى إذنها فلم يوجب لها التمليك إلا إذا تزوج عليها أو تسرر بغير إذنها، فإذا تزوج عليها أو تسرر بإذنها لم يجب لها تمليك ولا كان لها أن تقضي بشيء، وقد حكى ابن حبيب أن قائلا يقول: إن لها أن تقضي وإن نكح بإذنها؛ لأنها أذنت قبل أن يصير القضاء بيدها، وهو غلط ظاهر، إنما الاختلاف إذا قال لها: إن نكحت عليك فأمرك بيدك، ولم يقل: إلا بإذنك، فأذنت له فنكح، فلما نكح أرادت أن تقضي في نفسها وتأخذ بشرطها، ففي سماع أصبغ عن أشهب أن ذلك لها، وهو قول سحنون في المجموعة، واحتج بالذي يسلم شفعته قبل الشراء، والمشهور أن ذلك ليس لها وهو قول أصبغ في سماعه وروايته عنه أيضا فيه، وقول مالك في رسم اغتسل من هذا السماع، ومثله في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك، وقد نص أشهب على الفرق بين أن يقول: إلا بإذنك، أو لا يقول ذلك، في كتاب ابن المواز، والمعنى في الفرق بينهما بيّن لا يفتقر إلى وجود النص فيه ولا يفترق ذلك عند مالك، فسواء على مذهبه استثنى في تمليكها أمرها إن نكحها عليها إذنها أو لم يستثن ذلك فيه، إن أذنت له فنكح، لم يكن لها أن تقضي في الوجهين جميعا، واختلف قوله إذا أذنت له أن ينكح إذنا مبهما لم تقل فيه: متى ما شئت، فمرة قال: إن له أن ينكح متى ما شاء، ومرة قال: إن ذلك ليس له إلا بقرب إذنها، وقع اختلاف قوله في ذلك في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك، وهذا الاختلاف جارٍ على الاختلاف في الأمر المطلق، هل هو محمول على الفور أو على التراخي.
واختلف إن أذنت له في النكاح ثم رجعت في الإذن قبل أن ينكح، فقال ابن حبيب: ذلك لها، وفي رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب: ليس ذلك لها، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا، وحكى ذلك الفضل عنه وعن غيره أيضا، وبالله التوفيق.

.مسألة جارية زوَّجها أبوها صبيا صغيرا برضى أبيه ثم هلك:

وقال مالك في جارية زوَّجها أبوها صبيا صغيرا برضى أبيه ثم هلك، فطلب أبو الجارية الميراث والمهر، فأنكر أبوه أن يكون أصدق شيئا وادعى أن ذلك على وجه الصلة، قال مالك: ليس له إلا الميراث إذا لم تقم له بينة، ولو كان إلا شاهد واحد رأيت أن تحلف الجارية إن كانت بلغت أو تُؤَخَّر إن كانت صغيرة حتى تبلغ وتعرف ما تحلف عليه.
قال محمد بن رشد: قال مالك في هذه الرواية: إن الجارية تحلف مع شاهدها إن كانت قد بلغت، أو تؤخر إن كانت صغيرة حتى تبلغ، يريد بعد يمين أبيه، فإن نكل عن اليمين غرم ولم يكن عليها إذا بلغت أن تحلف، وإن حلف أخرت كما قال حتى تبلغ، فتحلف وتأخذ، فإن نكلت عن اليمين إذا بلغت، لم يكن لها شيء ولم يحلف الأب ثانية، وكفته اليمين الأولى. قال محمد: وهذا بخلاف مبايعته لها، ويقيم شاهدا فيحلف معه؛ لأنه إن لم يحلف هاهنا لزمه غرم ما نكل عنه؛ لأنه أتلف ولم يتوثق؛ ولأنه لا يبيع إلا بثمن معلوم، والنكاح على التفويض يجوز، فلم يتعد، وإنما عليه أن يشهد في أصل النكاح لا في تسمية الصداق. قال محمد: وذلك عندي ما لم يدَّع أبوها التسمية مع الشاهد، فإن ادعى هذا فقد ضيع في التوثق، يريد: فيحلف هو ويستحق الصداق الذي ادعى لابنته، فإن نكل غرمه بعد حلف أبي الصبي، والظاهر من الرواية أنه هو الذي ادعى التسمية مع الشاهد، فقول محمد خلاف للرواية، وما في سماع أبي زيد عن ابن القاسم من أن أهل المرأة يحلفون في الشروط التي ادعى الزوج أن أباه شرطها عليه وهو صغير، مثل قول محمد، فهي مسألة فيها قولان. ومن هذا المعنى اختلافهم في الزوجين يختلفان في عدد الصداق أو في نوعه، فروى عيسى عن ابن القاسم في بعض روايات العتبية أن ذلك إن كان قبل البناء فالقول قول الأب أو الولي إن كانت بكرا ويحلف لأنه ليس إليها الرضى بالمهر، فإن شاء الزوج أن يعطي ما حلف عليه، وإلا حلف وانفسخ النكاح، وإن كان بعد البناء فالقول قول الزوج في عدد الصداق، ولا يكون عليه إلا ما حلف عليه، وإن كان في نوعه تحالفا وردت إلى صداق مثلها، يريد: ويغرم الأب والوصي الزيادة لتركه الإشهاد، قال فضل: وهكذا قال أصبغ في سماعه بعد أن حكى عن ابن القاسم أن البكر هي التي تحلف، فمن أوجب على الأب الإشهاد على تسميته الصداق قبل الدخول، رأى عليه أن يحلف مع الشاهد الذي أتى به؛ لأنه إن لم يحلف غرم لتركه الإشهاد، ومن لم يوجب عليه الإشهاد على ذلك رأى اليمين على الجارية، وهو الذي ذهب إليه في الرواية، ولو قال الأب له: زوجها بتفويض، وادعت هي على أبي الصبي أنه فرض لها بعد ذلك صداقا وأقامت على ذلك شاهدا، لحلفت هي باتفاق دون أبيها، ولو ادعى الأب التسمية بعد الدخول، وهي أكثر من صداق المثل وأقام عليها شاهدا واحدا، لحلف هو دونها باتفاق، فقف على أنها ثلاثة مواضع: موضع يحلف فيه الأب باتفاق، وموضع تحلف فيه الجارية باتفاق، وموضع يختلف فيمن يحلف منهما، وكذلك لو باع الأب سلعة لابنه بأكثر من قيمتها فجحد المشتري الشراء والسلعة قائمة، وأقام الأب عليه شاهدا واحدا، يتخرج ذلك على قولين: أحدهما أن الأب يحلف لأنه ضيع في التوثق، فإن نكل عن اليمين ضمن الثمن لابنه، والثاني أن الابن يحلف إن شاء إذا لم يجب على الإشهاد إلا عند دفع السلعة، ولو دفع السلعة إلى المشتري فجحده لوجب عليه أن يحلف مع الشاهد باتفاق؛ لأنه ضيع بترك الإشهاد، فإن نكل عن اليمين غرم الثمن على القول بأنه هو يحلف إذا لم يدفع السلعة والقيمة على القول بأن الابن هو يحلف، وكذلك الحكم في المأمور يوكل على بيع السلعة، فيجحد المشتري وللمأمور شاهد واحد، وإذا كان للابن شاهد بحق لم يله الأب، لم يكن عليه أن يحلف مع الشاهد لابنه، واختلف إذا كان الابن صغيرا فأراد أن يحلف ويستحق له حقه، فقال ابن كنانة: ذلك له لأنه يمونه، وليس ذلك لأحد سواه من أم أو وصي، وأنكر ذلك ابن القاسم ولم يره، وبالله التوفيق.

.مسألة المرأة تزوج بغير إذنها فتنكر:

وقال مالك في المرأة تزوج بغير إذنها فتنكر، ثم تخبر أن ذلك كله سواء، قال مالك: لا يجوز إلا بنكاح جديد، قال ابن القاسم: وإنما الذي كان يجيز مالك من ذلك فيما بلغني في الرجل يزوج ابنته الثيب أو أخته وهي معه في البلد مقيمة معه، فيزوجها ثم تخبر فترضى، وكان يجيزه ويخففه، فقلت له: فالرجل يزوج ابنته الثيب البائنة عنه في البلد، فترضى حين تعلم، قال: لا يجوز هذا النكاح ولا يقام عليه ويفسخ حتى يبدأ نكاح جديد، وذلك أنهما لو ماتا لم يتوارثا، فكيف يجوز نكاح إن ماتا قبل أن ترضى لم يتوارثا، فقيل له: فالرجل يزوج أختا له معه حاضرة في البلد، فأنكرت وقالت: لم أرض ولم أوكله، ثم أقرت بعد ذلك وأحبت إجازته، قال: لا أرى ذلك إلا بنكاح جديد، قيل لسحنون: ما معنى قول مالك: وهي معه مقيمة في البلد؟ أهو أن تكون معه في مصر واحد وحضر واحد؟ أم تكون معه في البلد وإن كانت بعيدة إلا أن البلد تجمعهم؟ قال: بل معناه أن تكون معه في حكم واحد، ويكون الذي يينهما قريبا مثل الأميال والبريد وما أشبهه، قلت لسحنون: فلو كان هو بالفسطاط والمرأة بالقلزم وبينهما مسيرة يومين، قال: ما أرى ذلك بكثير إذا أجازته في ذلك بالفور وأرسل إليها، فأجازت، قال: وأما ما تباعد عنه جدا مثل الإسكندرية أو أسوان أو ما بعد من المواضع، فإنه لا يجوز وإن أجازت، قال أصبغ مثله.
قال محمد بن رشد: أما إذا زوجها بغير إذنها وهي بعيدة عنه أو قريبة فتأخر إعلامها بذلك فلا يجوز النكاح وإن أجازته، باتفاق من قول مالك وجميع أصحابه إلا ما تأول أبو إسحاق التونسي من أن اختلاف قول مالك يدخل في القريب والبعيد ويفسخ قبل ما لم يدخل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى، واختيار محمد بن المواز، وقيل: ما لم يطل بعد الدخول، وهو قول ابن القاسم في رسم شهد من سماع عيسى، وقيل: إنه يفسخ أبدا وإن طال، وهو قول أصبغ، واختلف هل يكون الفسخ فيه بطلاق؟ وهل يتوارثان إن مات أحدهما قبل الفسخ، على قولين نص عليهما وهما قائمان من المدونة؛ لأنه نكاح مختلف في جوازه بين أهل العلم، وقد نص في المدونة على الاختلاف في وجوب الطلاق والميراث فيما يفسخ من الأنكحة التي اختلف أهل العلم في جوازها، وتقع الحرمة به وإن فسخ قبل الدخول إذا كان الفسخ بعد الرضا باتفاق، واختلف إذا فسخ قبل الرضا أو قدمت فأنكرت، فقال مالك في المدونة: إني لا أحب له أن يتزوج أمها ولا أن يتزوجها أبوه ولا ابنه، وقال أصبغ: بل لا يحل ذلك، وأجازه ابن الماجشون، وهو الصحيح، وإياه اختار ابن أبي زيد، لأنها إذا أنكرت فلم يتم بينهما شيء تقع به الحرمة، واحتج بأن الرجل لو قال: قد زوجت ابني فلانا إن رضي، فقال فلان: لا أرضى، لم تقع به الحرمة وإن كان له الرضى بإجماع، فهذا أحرى أن تقع به الحرمة، إذ لا يجوز النكاح إذا رضيت إلا على قول قائل، ولا يتوارثان قبل الرضى، ولا يكون الفسخ فيه طلاقا بإجماع إلا أن يدعي الولي عليها أنه زوجها بإذنها وتنكر هي ذلك، فروى عيسى عن ابن القاسم في المدنية أن الفسخ يكون في ذلك بطلاق، وهو بعيد، وأما إذا زوجها بغير إذنها وهي قريبة وأعلمت بالقرب أيضا، فرضيت، فالمشهور في المذهب أن النكاح جائز.
واختلف في حد القرب فقال أصبغ وسحنون: اليوم واليومان، وقال عيسى بن دينار: ذلك مثل أن يعقد النكاح في المسجد والسوق، ثم يسار إليها بالخبر من ساعته، وإنما جاز هذا النكاح وإن كان للزوجة فيه الخيار لأنه خيار أوجبه الحكم لم ينعقد عليه النكاح، ولو أعلم الولي الزوج أنه لم يستأمرها في العقد عليها، لوجب أن لا يجوز النكاح لدخوله على أن لها الخيار، فهو بمنزلة أن لو زوجه إياها على إن رضيت، وقد قال في سماع أبي زيد في ذلك: إن النكاح يفسخ.
ومن الناس من ذهب إلى أن يفرق بين المسألتين، بأن الحاضرين لهما مندوحة عن الخيار بخلاف الغائب، وهو بعيد، لأنه يلزم عليه جواز نكاح الغائبة البعيدة الغيبة لعدم القدرة على إنجاز النكاح، وروي عن مالك أن النكاح لا يجوز ويفسخ؛ لأنه نكاح لو مات أحدهما فيه لم يتوارثا، يريد: ما لم يدخل- والله أعلم- على هذا القول.
وقال أصبغ: إنما يؤمران قبل الدخول بالترك والفسخ، ولا يحكم بذلك عليهما، فقد روي عن مالك أنه قال: لا أحب المقام عليه وإن رضيت، وقال مرة: إن رضيت جاز، واختلاف قوله هذا في الغيبة القريبة قائم من قول ابن القاسم في المدونة: وبلغني أن مالكا مرة كان يقول: هذا الذي حفظناه عمن أدركناه من شيوخنا، أن اختلاف قول مالك إنما هو في القريب الغيبة، وهو الذي يدل عليه ظواهر الروايات، ونحا أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا فرق على أحد قولي مالك بين قريب الغيبة وبعيدها، وهو الأظهر في القياس، لأن الخيار الذي للمرأة المزوجة بغير إذنها إن حكمنا له بحكم الشرط وجب أن يفسخ النكاح في القرب والبعد، وإن لم يحكم له بحكم الشرط وقلنا: إنه خيار يوجبه الحكم، فلا يفسد العقد، كالعبد يتزوج بغير إذن سيده وما أشبه ذلك، وجب أن يجوز في القرب والبعد، فيأتي في المسألة لمالك على هذا التأويل ثلاثة أقوال: جواز النكاح في القرب والبعد، وفساده في القرب والبعد، والفرق بين القرب والبعد.
وأما إذا أنكرت ثم أجازت فقال ها هنا وفي المدونة: إن النكاح لا يجوز سواء أرادت بإنكارها رد النكاح أو الإباية من إجازته، خلاف تفرقته في المدونة بين ذلك في سيد العبد إذا نكح بغير إذنه. والفرق بين المسألتين أن تزويج المرأة بغير إذنها على الرد حتى يجاز إذ لم ينبرم بين الزوجين، وبدليل أن الأمد إذا طال لم يكن لها أن تجيز، وأن تزويج العبد بغير إذن سيده على الإجازة حتى يرد، إذ قد انبرم بين الزوجين، وإنما الخيار لغيرهما، بدليل أن طول الأمد لا يمنعه من الإجازة، وجعل ابن وهب المرأة مثل السيد في ذلك، وهو أظهر لأن لها الإجازة ما لم تصرح بالرد في الموضع الذي تجوز لها الإجازة فيه، وهو القرب، كما أن ذلك للسيد في الموضع الذي تجوز له الإجازة فيه، وهو القرب والبعد، وكذلك الحكم في الرجل يزوج ابنه المالك لأمر نفسه وهو غائب، أو يخطب المرأة على الرجل فيزوجها إياه وهو غائب، ثم يأتيان فيقران بالإذن أو ينكرانه، فيردان أو يجيزان، وستأتي هذه المسألة بعد هذا والقول فيها مبسوطا إن شاء الله، وبالله التوفيق.